د.علي منصور العودي :
اقتصاد اليمن سيتعافى كما يجب أن يكون..إعادة الوقائع (1-3)

اقتصاد اليمن سيتعافى كما يجب أن يكون..إعادة الوقائع (1-3)

 إن حجم التغييرات من حولنا وحجم الطموحات التي نريدها لوطننا و لشعبنا يتطلب فكراً جديداً في شكل الحكومة وآليات عملها، التغيير يخلق فرصاً كبيرة ويجدد الدماء والأفكار، ويجبر الجميع على التفكير بطريقة مختلفة وكل ما فيه خيرلوطننا و لشعبنا سنطبقه، لا يمكن أن نعبر للمستقبل بأدوات الماضي،ولا يمكن تحقيق قفزات تنموية كبيرة بدون التفكير بطريقة جديدة في شكل الحكومة، نريدها حكومة شابة قادرة على خلق بيئة للشباب، لتحقيق أحلامهم، ومستعدة للعمل بشكل سريع لتحقيق طموحات الشعب.


إن اليمن في حاجة ماسة إلى إصلاحات حاسمة واقتصاد البلاد المتدهور بحاجة إلى المساعدة لا إلى رشاوي أو مساعدات بعض الدول ، إن عدم وجود قائد ذو رؤية مستقبلية في اليمن أدى إلى ردع المستثمرين الأجانب عن وضع أموالهم في تلك البلاد، إن اليمنيين حطموا خوفهم ولن يترددوا في الخروج إلى الشوارع بالملايين إذا كان لدى الجيش أو الحكومة الحالية طموحات أخرى بخلاف مساعدة الشعب والوطن.


وتأتي تصريحات لصحف أجنبية عن اليمن وغيرها تقول : إن تلك البلدان تفتقر إلى مؤسسات الدولة التي عانت من تحكم الحكومة والفساد منذ وقت طويل كما أنها تراقب بلدان الربيع العربي عن كثب بحثاً عن الفرص الاقتصادية ولكنها تعتقد أن المخاطر والعوائد لا تزال غير جيدة بسبب الأحوال السياسية وعدم استقرارها.


وحول الوضع الراهن في اليمن، الأسباب التى تدفع اليمنيين إلى الانزعاج من وصف مظاهراتهم او احتجاجاتهم بخيبة الأمل حيث إنه بعد مرور أسبوع من الاحتجاجات عندما خرجت الملايين إلى الشوارع للتعبير عن إحباطهم والسعي وراء التغيير، حاول المحللون اللحاق بتفسير الوقائع حيث أدى ذلك إلى ظهور العديد من القضايا المعقدة بشكل مفاجئ.
إن تباين الآراء بشأن ما يحدث أثار عدداً من الاختلافات والصدامات داخل المجتمع اليمني، فضلاً عن المناقشات والمخاوف الساخنة بالخارج، وتلك الأمور أثرت على آفاق المفاوضات السياسية المستقبلية وجهود المصالحة، فضلاً عن وجود تداعيات ربما تؤثر على التدفق النقدي إلى اليمن.


تزايدت المخاوف ودواعي القلق بعدما شاهد العالم الصور المأساوية للجرحى ومشاهد العنف بالشوارع والتي هيمنت على نشرات الأخبار، وفي مثل هذا الواقع الذي يتميز بالتغير السريع والحقيقة المتقلبة، فإن معدل القلق والتوتر يتزايد مع ارتفاع مخاطر سوء قراءة وتفسير المشهد الحالي لذا من الضروري توضيح بعض الحقائق المتعلقة بالمشهد اليمني الآن لوضع الأمور في سياقها والتي سأشرحها بالتفصيل في 4 نقاط رئيسية:


أولاً: احتجاجات اليمن غير المكتملة ، حيث إن الاحتجاجات اليمنية التي اندلعت في عام 2011، والتي كانت ضد الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح ، لم تكن صحيحة لوضع اليمن على المسار المناسب لتحقيق الأهداف المشروعة والرؤية التي يتمناها الشعب حيث كان من الممكن عبر مظاهرات واحتجاجات مستمرة حتى يتم تحقيق النتائج المشروعة سواء في تغيير بعض افراد الحكومة من أعلى منصب إلى الموظف العادي أو أي مطالب أخرى تخدم الشعب ولكنها استغلت بطريقة غير سليمة من اطراف خارجية وداخلية ووضعوها تحت مسمى ثورة جراء عدوى متلازمة على دول الربيع العربي تنفيذا لأطماع داخل اليمن
بعد الاحتجاجات، هرعت الأحزاب السياسية في محاولة لتنظيم نفسها، رغم أن الوقت كان يداهمها مع ضعف قدراتهم التنظيمية لأنهم كانوا يبدأون من الصفر . واعتبر أنه تمت إساءة التعامل فيما يتعلق بترتيب الركائز الأساسية للعملية الانتقالية الديمقراطية الناجحة، من بينها دستور قوي، وانتخابات حرة ونزيهة سواء للبرلمان أو الحكومة أو الرئاسة بجانب بعض قيادات الجيش الذين أعطوا انطباعاً بأنهم قد يرغبون في القيام بدور أكبر من دورهم التقليدي، رغم ما حملته المرحلة الأولى لحكم المجلس العسكري من بشرى أمل في البداية فإنها فتحت أبواب الإحساس بخيبة الأمل فيما بعد.


ثانياً: تأتي الأحوال الفوضوية في المراحل الأولية، حيث أن الاحتجاجات كان يحركها الغضب تجاه أداء المؤسسات ووضع النظام الاقتصادي اللذين استحوذ عليهما قلة من اليمنيين بدلاً من خدمة الشعب اليمني كله حيث كانت طويلة الأمد وعميقة راسخة، وهنا وجدت اليمن نفسها عالقة ما بين كل التحديات الناتجة سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل مما أدى أيضا إلى إعادة تحريك ملف القضية الجنوبية والانفصال وغيره......
كما أوضح أن الحلول وقتها كانت مفصلة ومعقدة بطبيعتها، إذ كانت تتطلب تركيزاً لعدة سنوات يعتمد على معرفة خاصة ونشاط إداري دائم، وتلك المهام أصبحت أكثر تعقيداً في ظل المناخ العالمي المضطرب بما في ذلك الأزمة المالية أو الركود الاقتصادي في أوروبا، إضافة إلى تراجع معدل النمو والاستقطاب السياسي غير المسبوق داخل الولايات المتحدة الامريكية .


ثالثاً: إبراز الصعوبات، حيث أن الإدارة الاقتصادية والسياسية الضعيفة لحكم عبدربه منصور هادي،اضافة إلى المبادرة الخليجية وأهداف ونتائج الحوار الوطني كلها أمور أدت إلى تضاعف التحديات التى تواجهها اليمن في رحلتها الصعبة لتحقيق نظام ديمقراطي دائم وكفء.
تلك الصعوبات أبرزت إحباط معظم المواطنين، مع استمرار الانفلات الأمني وتفاقم إحساس المواطن بافتقاره إلى الشعور بالأمن، ونظراً لانتظار الشعب طويلاً حتى اندلاع احتجاجاته، وكفاحه بقوة من أجلها، لم يكن أغلبية المواطنين اليمنيين مستعدين للوقوف صامتين ومشاهدة المستقبل الواعد لبلادهم وهو يتبخر بهذه السرعة خاصة مع المجريات الحالية في البلاد وما تعانيه الان ...


رابعاً وأخيراً: تأتي «الضوابط والتوازنات المؤسسية، وعدم رغبة الرئاسة في تصحيح المسار»، في تلك النقطة إن الديمقراطيات الراسخة تتمتع بالعديد من الآليات التي تمكنها من تحديد المشكلات والتحديات المرتبطة بها، والتحول السياسي الجديد وغير المكتمل في اليمن لم يمتلك تلك الآليات، ومن ثم كانت النتيجة استمرار الاضطرابات في الشوارع والتهديدات ونشوب أزمة حادة ظهرت خلال الفترة هذه بين انتفاضة شعبية مسالمة ورئيس منتخب توافقياً ويهيمن على السلطة رغم تراجع تأييده الشعبي بشكل ملحوظ وصراع بعض من صانعي القرار حول تدابير انتقالية فورية لإدارة الحكومة الجديدة، فضلاً عن المطالبات بعودة البلاد إلى المسار الديمقراطي وفي ظل تدهور الاقتصاد اليمني مع انتشار الفقر والأوبئة وتراجع النمو وارتفاع التضخم وزيادة البطالة وانهيار مستوى الدخل، فإنه لا أحد ينكر أن البلاد الآن تفتقر لنقاط الارتكاز الأساسية الاقتصادية، والمالية، والمؤسسية، والسياسية، والاجتماعية، كما أنه لا عجب من مخاوف عدد متزايد من اليمنيين من سيناريو الحرب الأهلية .


لذا ومع شعور كلا الطرفين بأن لديه الشرعية، لم يكن أي منهما مستعد للتراجع بل صعدوا موقفهما من خلال استخدام خطاب قوي، ما أدى إلى تراجع إمكانية تصحيح المسار والمصالحة الوطنية، ما خلق مناخاً قابلاً للانفجار، يحمل احتمالية امتداد النزاع إلى مواجهات بالشوارع يمكن أن تتطور إلى حرب أهلية ، وقد أدت تلك العوامل الأربعة السابقة إلى وضع ضغوط قوية على نسيج المجتمع وهو ما فرض على حلفاء الدولة وأصدقائها عدداً من القضايا المزعجة.
وسوف نناقش هذه القضايا في المقال القادم ....

*خبير تنمية الاقتصاد وتطوير أداء الحكومات